أحمد بن محمد القسطلاني

61

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ولذلك كانت تنزل نجوم القرآن وسوره وآياته حين كان بمكة أقصر منها وهو بالمدينة . ورواة هذا الحديث مدنيون إلا شيخ المؤلف ، وفيه تابعيان والتحديث والإخبار والعنعنة ، وأخرجه المؤلف في بدء الخلق ومسلم في الفضائل وبه قال . 3 - باب 3 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ : أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا ، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ . قَالَ « مَا أَنَا بِقَارِئٍ » . قَالَ « فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ . قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ . فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ . فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ . فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ } » . فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْجُفُ فُؤَادُهُ ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها فَقَالَ « زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي » . فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ « لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي » . فَقَالَتْ خَدِيجَةُ كَلاَّ وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ . فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى - ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ - وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ . فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَبَرَ مَا رَأَى . فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى ، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا ، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ » . قَالَ نَعَمْ ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا . ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ . [ الحديث 3 - أطرافه في 3392 ، 4953 ، 4955 ، 4956 ، 4957 ، 6982 ] . ( حدّثنا ) ولأبي ذر وحدّثنا بواو العطف ( يحيى ) أبو زكريا ( بن بكير ) بضم الموحدة تصغير بكر القرشي المخزومي المصري المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين ، ونسبه المؤلف لجده لشهرته به واسم أبيه عبد الله ، ( قال : حدّثنا الليث ) بالمثلثة ابن سعد بن عبد الرحمن الفهمي عالم أهل مصر من تابعي التابعين ، قال أبو نعيم : أدرك نيفًا وخمسين من التابعين القلقشندي المولود سنة ثلاث أو أربع وتسعين ، المتوفى في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة ، وكان حنفي المذهب فيما قاله ابن خلكان ، لكن المشهور أنه مجتهد . وقد روينا عن الشافعي أنه قال : الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به ، وفي رواية عنه ضيعه قومه . وقال يحيى بن بكير : الليث أفقه من مالك ولكن كانت الحظوة لمالك ، ( عن عقيل ) بضم العين المهملة وفتح القاف مصغرًا ابن خالد بن عقيل بفتح العين ، الأيليّ بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية ، القرشيّ الأمويّ المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائة ، ( عن ابن شهاب ) أبي بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدنيّ تابعيّ صغير ، ونسبه المؤلف كغيره إلى جدّه الأعلى لشهرته به ، ( عن عروة بن الزبير ) بالتصغير ( عن عائشة أم الؤمنين ، رضي الله عنها ( أنها قالت أول ما بدىء به ) بضم الموحدة وكسر الدال ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الوحي ) إليه ( الرؤيا الصالحة في النوم ) ، وهذا الحديث يحتمل أن يكون من مراسيل الصحابة ، فإن عائشة لم تدرك هذه القصة لكن الظاهر أنها سمعت ذلك منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لقولها قالها قال : فأخذني فغطني ، فيكون قولها أول ما بدىء به حكاية ما تلفظ به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وحينئذ فلا يكون من المراسيل . وقوله : من الوحي أي من أقسام الوحي ، فمن للتبعيض . وقال أبو عبد الله القزاز : ليست الرؤيا من الوحي ومن لبيان الجنس . وقال الأبّي نعم هي كالوحي في الصحة إذ لا مدخل للشيطان فيها . وفي رواية مسلم كالمصنف في رواية معمر ويونس الصادقة وهي التي ليست فيها ضغث ، وذكر النوم بعد الرؤيا المخصوصة به لزيادة الإيضاح والبيان ، أو لدفع وهم من يتوهم أن الرؤيا تطلق على رؤية العين فهو ْصفة موضحة أو لأن غيرها يسمى حلمًا ، أو تخصيص دون السيئة والكاذبة المسماة بأضغاث الأحلام ، وأهل المعاني يسمونها صفة فارقة . وكانت مدة الرؤيا ستة أشهر فيما حكاه البيهقي . وحينئذ فيكون ابتداء النبوّة بالرؤيا حصل في شهر ربيع وهو شهر مولده . واحترز بقوله من الوحي عما رآه من دلائل نبوّته من غير وحي كتسليم الحجر عليه كما في مسلم ، وأوّله مطلقًا ما سمعه من بحيرا الراهب كما في الترمذي بسند صحيح . ( فكان ) بالفاء للأصيلي ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر وفي نسخة للأصيلي ، وكان أي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( لا يرى رؤيا ) بلا تنوين ( إلا جاءث مثل فلق الصبح ) كرؤياه دخول المسجد الحرام ، ومثل نصب بمصدر محذوف ، أي إلاّ جاءت مجيئًا مثل فلق الصبح ، والمعنى أنها شبيهة له في الضياء والوضوح أو التقدير مشبهة ضياء الصبح ، فيكون النصب على الحال ، وعبر بفلق الصبح لأن شمس النبوّة قد كانت مبادئ أنوارها الرؤيا إلى أن ظهرت أشعتها وتم نورها ، والفلق : الصبح . لكنه لما كان مستعملاً في هذا المعنى وغيره أضيف إليه للتخصيص ، والبيان إضافة العام إلى الخاص . وعن أمالي الرافعي حكاية خلاف أنه أوحي إليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيء من القرآن في النوم أولاً . وقال : الأشبه أن القرآن نزل كله يقظة ، ووقع في مرسل عبد الله بن أبي بكر بن حزم عند الدولابي ما يدل على أن الذي كان يراه عليه الصلاة والسلام هو جبريل . ولفظه أنه قال لخديجة بعد أن أقرأه جبريل : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك } أرأيتك الذي كنت أحدثك أني رأيته في المنام هو جبريل استعلن ، وإنما ابتدىء عليه الصلاة والسلام بالرؤيا لئلا يفجأه الملك ويأتيه بصريح النبوّة بغتة فلا تحتمل القوى البشرية ، فبدىء بأوائل خصال النبوة . ( ثم حبب إليه الخلاء ) بالمد